
دَعْوَةٌ إِلَى تَقْوَى اللهِ عَز وَجَل
وقالت(ع) (فاتّقوا الله حقّ تقاته ، ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون ، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه ، فإنّه إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماء)
فبعد أن ذكرت لهم شيئاً حول فلسفة العبادات دعتهم إلى تقوى الله، فإنه من دون تقوى لا يمكن أن يرجعوا إلى رشدهم وصوابهم والحالة التي كانوا عليها في حياة أبيها الأعظم محمد(ص) وهذه الدعوة هي دعوة القرآن للجميع حيث قال سبحانه وتعالى في سورة آل عمران(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
والذين هجموا على دار الزهراء وارتكبوا تلك الجريمة البشعة في حقها وحق الإسلام والقيم والمبادئ والأخلاق فقد كفروا، وليس بالضرورة أن يكون الإنسان عابداً للأوثان حتى يوصف بالكفر، فقد يصلي ويصوم ويقرأ القرآن ومع ذلك كله يكون حكمه عند الله تعالى حكم الكافر، وهؤلاء كفروا وهم تتلى عليهم آيات الله، وقد سمعوا الآيات مباشرة من رسول الله، وكفروا والرسول بينهم، حتى بعد وفاة الرسول كان بينهم لأن وجود أهل البيت(ع) كوجود الرسول.
ثم يوجه القرآن الكريم خطابه إلى المؤمنين ويدعوهم إلى التقوى لأن الإيمان المجرد عن العمل لا ينفع صاحبه بشيء على الإطلاق، ثم دعاهم إلى الوحدة فتفرقوا وكانوا شيعاً وأحزاباً وكل حزب بما لديهم فرحون.
وعندما دعتهم الزهراء إلى تقوى الله فهمنا أنهم كانوا على الضلال والإنحراف لأنهم لو كانوا متقين لما ارتكبوا تلك الجريمة البشعة في حق التقوى وأهلها.
لقد حاولت أن ترجعهم إلى الله تعالى ولكنهم استحبوا الكفر على الإيمان وآثروا العاجلة على الآجلة فكانت النتيجة أنهم خسروا الدنيا ولم يربحوا الآخرة.
وقد يشكِل علينا بعض الراضين بالجور فيقول :إن دعوة الزهراء لهم إلى التقوى لا تعني أنهم لم يكونوا أتقياء لأن الله تعالى في بعض الآيات يدعوا المؤمنين إلى الإيمان كما في قوله المبارك(يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله) ونحن هنا نرد عليهم بأنه لو كان هؤلاء المؤمنون مؤمنين قولاً وعملاً وقلباً وقالباً لما وجّه القرآن لهم الدعوة لا من باب البدو ولا من باب التأكيد، ولسان الآية الكريمة هنا يشعر بالتوبيخ والتحذير ويكشف عن كونهم غير مؤمنين وإن أعلنوا الإيمان كالأعراب الذين سلب القرآن عنهم صفة الإيمان لأنهم لم يؤمنوا بالعمل والتطبيق.
ونزيد في القول بأن الذين هجموا على دار الزهراء لم يكونوا مؤمنين ولم يكونوا من أهل التقوى، لأن حفظ الزهراء واتباعها هو أساس التقوى، وكل من يتجرأ على الزهراء بقول أو فعل، بل كل من يشك بها في القلب أيضاً لم يكن من أهل تقوى الله عز وجل، إذ كيف يكون كذلك ولم يدخل إلى التقوى من بابها الصحيح، ولا أحد ينكر بأن باب التقوى هو النبي وآله(ص) الذين جعلهم الله تعالى قادة للناس ومثلاً أعلى لهم، حيث عصمهم من الذنوب وأبعدهم عن العيوب وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
وقد كان من الضروري أن تدعوهم الزهراء إلى تقوى الله لأنهم أصبحوا بعيدين كل البعد عنها حيث أنساهم الشيطان دينهم ووجودهم وأخلاقهم فأصبح همهم الأوحد هو الحصول على السلطة مهما كانت الوسيلة بشعة ووضيعة.
ولعلها بدعوتهم إلى طاعة الله تعالى تؤكد كونهم لم يكونوا من أهل الطاعة حينما ظلموها، وهذا دليل آخر على إدانتهم وخروجهم عن الإيمان والإسلام، لأنهم لو ماتوا وهم على تلك الحالة ماتوا على غير ملة الإسلام، ولأجل ذلك حذرتهم الزهراء من أن يموتوا على غير هذا الدين الحنيف الذي ماتوا على غيره لأنهم أصروا على ظلمها وحرمانها من حقها الشرعي.
وقد أمرهم الله تعالى بأشياء كثيرة، وعلى رأسها ولاية أهل البيت(ع) حيث أمرنا الله بإطاعتهم لأنهم أولوا الأمر وأعلم الناس بالحدود الإلهية بعد رسول الله(ص) الذي أمر المسلمين بموالاة أهل بيته، وهو لا ينطق إلا بوحي من الله تعالى، ولذا يصح نسب أمر الرسول إلى الله لأنه ينقل عن الله مراده من أوامر ونواه وتعاليم وإرشادات.
وقد كانوا علماء بأحكام الله، وهنا تكمن الإدانة الفعلية، فهم غير معذورين في ظلمهم لآل الرسول، مع أنه من المفروض على العالِم بأحكام الله أن يخشى الله، وهؤلاء رغم علمهم بأحكام ربهم لم يخشوه ولم يطيعوه، بل أصروا على الظلم والطغيان.
الشيخ علي فقيه


